الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

35

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و روى محمد بن إسحاق : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما غلب قريشا ببدر ، ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود وقال لهم : « يا معشر اليهود احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم ، أنّي نبيء مرسل » فقالوا : « يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيت قوما أغمارا لا معرفة لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة أما واللّه لو قاتلناك لعرفت أنّا نحن الناس » فأنزل اللّه هذه الآية . وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضير وخيبر ، وأيضا فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال . وعطف بِئْسَ الْمِهادُ على سَتُغْلَبُونَ عطف الإنشاء على الخبر . وقرأ الجمهور سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ - كلتيهما بتاء الخطاب - وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : بياء الغيبة ، وهما وجهان فيما يحكى بالقول لمخاطب ، والخطاب أكثر : كقوله تعالى : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] ولم يقل ربّك وربّهم . والخطاب في قوله : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ خطاب للذين كفروا ، كما هو الظاهر ؛ لأنّ المقام للمحاجّة ، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجّة . فيكون من جملة المقول ، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين ، فيكون استئنافا ناشئا عن قوله ستغلبون ؛ إذ لعلّ كثرة المخاطبين من المشركين ، أو اليهود ، أو كليهما ، يثير تعجّب السامعين من غلبهم فذكرهم اللّه بما كان يوم بدر . والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر . والالتقاء : اللقاء ، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة ، واللقاء مصادفة الشخص شخصا في مكان واحد ، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [ الأنفال : 15 ] وسيأتي . والالتقاء يطلق كذلك كقول أنيف بن زبّان : فلمّا التقينا بيّن السيف بيننا * لسائلة عنّا حفيّ سؤالها وهذه الآية تحتمل المعنيين . وقوله : فِئَةٌ تُقاتِلُ تفصيل للفئتين ، وهو مرفوع على أنّه صدر جملة للاستئناف في التفصيل والتقسيم ، الوارد بعد الإجمال والجمع . والفئة : الجماعة من الناس ؛ وقد تقدّم الكلام عليها في قوله تعالى : كَمْ مِنْ فِئَةٍ